المشاركات

سلمى تكتب- اليوم الأربعون

مات الولد. نبكي أنفسنا لا الموتى في كل عزاء، نبكي من الخوف والفجأة والترك، نبكي لأن الحياة غادرة ورخيصة، نبكي لأننا الموتى الذين لم يعلم بفنائهم أحد. يمر خبر وفاة البعض كسطر في جريدة لا تتوقف عنده كثيرًا، ويصفعك آخر كموضوع الصفحة الأولى بأعرض خط ممكن، ينغرس أثره عميقًا في فؤادك، لا لقربه ولا لخصوصية العلاقة إنما هي الظروف التي تلقيت فيها الخبر، حالك في لحظتها، ومخزون الدمع المكتوم. يربكني الموت ويشل قدرتي على التفكير، يجعلني أجدف في بحر من الرمال وأغرق في الأسى، لكن الحياة لا تنتظر دمعي ليجف وتقذفني في تقلباتها أو خبر موت آخر. #سلمى_تكتب_٧٥يوم

سلمى تكتب- اليوم الثامن والعشرون

صبرت صبرت ثم فشلت في الاختبار. صحيح يا ست سوما "إنما للصبر حدود"، يتحمل المرء الضغط في البيت في العمل في الشارع، مشكلات شتى وسخافة تقطر من الناس تجعل الحياة خانقة، يصبرويتجلد ويسأل الله الحلم ثم ينفجر من الضغط بعد طول صبر. هل ضيعت جزاء صبري وتجاوزي عن الصغائر حين فشلت؟ هل هذا فشل بالضرورة؟ ما كان بيدي حيلة، منهكة ومثقلة وآكل الكدر وأقول: ما عند الله خير وأبقى، غدًاتأتي الغيمة وتبلل القلب المعطوب، لكن الحياة تزيد من أثقالها فأمشي كأحدب نوتردام أحمل صخرة ضخمة خفية من المشاعر والآلام، وأظل أصبر وأحاول كي لا أنسحق تحتها. متى أتخلص من الصخرة؟ أم أنها لعنتي السيزيفية؟ #سلمى_تكتب_٧٥يوم 

سلمى تكتب- اليوم السابع والثلاثون

لا شيء يدور في رأسي لأكتب عنه، والكثير يدور في الوقت ذاته، يشبه الدخول إلى منزل فارغ من أهله لكنه مليء بالكراكيب، فلا هو فارغ يرتد الصوت فيه ولا مأهول ومؤثث، فوضى من اللاشيء. في بعض الأوقات لا أفهم ما يحدث مع أفكاري، أظن أني هادئة وعقلي خامل، ثم أفاجأ بسيل من الأفكار وأنا أغسل وجهي في الصباح، متى استيقظ عقلي لينهمر هكذا؟! كل وقت عمل طويل لا استعمل كل حواسي فيه وأشغل المستريح منها، هو عذاب مستمر وآمال عظيمة في انتهاء الألم ومقدم الفرح، تتكسر كموج عارم على صخرة اليقظة. أحيانًا يصبح عقلي مشغولًا لدرجة تشله عن التركيز في أي شيء، الصلاة دون تشتت جهاد، والعمل دون أخطاء ضرب من الخيال وقطع هذا الانشغال مستحيل الحدوث. هل فهمت شيئًا من ما قلت؟ لا أعلم فالأفكار تتلقفني ككرة من الصوف بين أنيابها منذ فتحت عيني، والكتابة تقاتل للخلاص منها. #سلمى_تكتب_٧٥يوم

سلمى تكتب- اليوم السادس والثلاثون

اختارت العائلة بيتًا جدرانه من الصبار الشائك وذا جو جاف خانق للسكنى، كما يختار أبطال فيلم الرعب أبعد البيوت ملائمة عن الأمان والراحة ليعيشوا فيه أيامهم النحسات. في بيت كهذا لا يمكنك الاستناد إلى الحائط لتمنع نفسك من السقوط، ولا إراحة ظهرك عليها بعد يوم شاق، الشوك في كل مكان وسبيل النجاة هو تجنبك للجدران طوال الوقت، والتحرك بلا سند في قلب هذا البيت. كبر أطفال الأسرة البائسة في بيت بلا حوائط كأنهم في العراء، بل أسوء لأن العراء لا يدميك كلما نسيت وتلمسته، كبروا وقد تعلموا الدرس جيدًا: لا تستند إلى بيتك وإلا قتلك. ذات نهار ضاعت الطفلة الصغرى في الأدغال الجافة حول البيت، خرجت في جهة خضراء غريبة ورآها أصحاب الكوخ الصغير في صدر ما عرفت لاحقًا أنها حديقة. أدخلها صاحب البيت ريثما يفهمان منها -هو وزوجته- كيف أتت ومن أهلها، كانت الصغيرة مشدوهة تتطلع إلى الجدران الناعمة بلا شوك، تنظر برعب إلى المرأة تسند جيدها إلى الحائط دون أن يتلون بالدماء. بعد بضع ساعات من البحث وصلوا إلى بيت الصبار، دخلت الصغيرة لتخبر إخوتها عن المعجزة، اندفعت محتضنة الحائط فتلون بالدماء. #سلمى_تكتب_٧٥يوم

سلمى تكتب- اليوم الخامس والثلاثون

"إلا الصيام فهو لي" أرى حال الصيام كعمل بين العبد وربه كحال كلي لرمضان، أحب الأعمال في خلوة وحدي واستشعر خصوصية الشهر بيني وبين خالقي لا الإثابة على الصيام فحسب. تفرض طبيعة الشهر وأوقاته أن أكون وحدي أغلب الوقت، في حال مستكين وقلب هاديء على غير ذلك من أيام، وتفرد يجعل للعبادة بعدًا جديدًا من الصلة، أنفصل عن جموع الناس لأتصل برب الناس. كل عمل في رمضان بالنسبة لي هو خطوة في السير نحو الله، سير فرداني من نفسي إلى جوار المولى، كل كلمة وكل كظم للغيظ وكل ركعة قيام هي لبنات في بناء صرح من الصلة الأهم في حياة المرء. أرجو من الله أن يكون وجهتي أينما وجهت وجهي في رمضان، منه المبتدأ وإليه المنتهى. #سلمى_تكتب_٧٥يوم

سلمى تكتب- اليوم الثالث والثلاثون

لا أفهم إصرار البعض على الإجابة بالمنطلق على أسباب قيامنا بطاعة ما، الصيام لنستشعر الفقراء، الصلاة تمارين رياضية والزكاة لإرساء مبدأ التكافل، وهي تعليلات تحمل شيئًا من الوجاهة لكنها ليست صحيحة كسبب رئيس، الطاعة هكذا لأنها أمر الله لنا، ذلك تأويل ما لم نستطع عليه صبرًا. لا ضير في تحقق فائدة دنيوية أو مكسب روحي من الطاعة، المشكلة هي التركيز عليها فقط واستبعاد فكرة العبودية، والامتثال للأوامر والتسليم بحتمية الحكمة المحجوبة عنا ويعلمها عالم الغيب والشهادة. في حياتنا اليومية نعتنق النفعية المادية كسبب للعمل والإنجاز، وهو ما لا يصلح للدين، تسمو الأديان فوق النفعية وعجلتها الطاحنة، إلى عالم من الغيبي والروحي والامتثال دون مساءلة للرب، فهو لا يُسأل عما يفعل وهم يسئلون. #سلمى_تكتب_٧٥يوم

سلمى تكتب- اليوم الثاني والثلاثون

أجلس في هدوء دون حركة أو صراخ بينما يعالج الطبيب أسناني، فقط تأوه بسيط حين ضغط بشدة على ضرسي، تذكرت حينها جملة قالتها لي اختصاصية البشرة وهي تباشر جلسة تنظيف البشرة وأنا مستسلمة دون أن أنبس بحرف، قالت: "لابد أنك مررت بألم عظيم، لا أحد يجلس هنا ساكنًا سوى من خابر الكثير من الأوجاع التي تهون البقية بجوارها." كانت محقة، خابرت الألم كثيرًا، في أيام كان جسدي كله يصرخ ولا شيء قادر على إسكاته، جربت آلامًا مميتة لأيام وأحيانًا لأسابيع، في صغري وشبابي وبأشكال شتى، كنت أهزم الألم في النهاية لكن بالكثير من آثاره على جسدي وقلبي الممزقين، وأفوز في النهاية لتأتي الأيام بمعركة جديدة. كتبت مرة أني أخر العشرة خاصتي، كما كانت تدخرها بطلة فيلم "fault in our stars”، حين يسألها أحدهم عن مقياس الألم تقول في أشده أنه تسعة من عشرة، تدخرها لألم لن تقوى عليه، أملًا أن يخطيء الطريق إليها. ورغم كل هذا، أنا بطلة قوية، هكذا يقول معالجي النفسي، تحملت وتخطيت الكثير من الألم، وما زال في العمر بقية آمل فيها آلامًا عادية لا تحتاج لأية بطولة. #سلمى_تكتب_٧٥يوم