المشاركات

الراوي العليم

لما بتمر بتجربة تعافي من أي مشكلة نفسية خاصة لو كانت معقدة في تكوينها ومحتاجة شغل مستمر لسنوات، وبعدين تشوف الناس وهي بتمر بتجربتها الخاصة، بتقف من بعيد كدا تتوقع من تصرفاتهم وحكيهم مثلا على السوشيال ميديا هم في أي مرحلة. بتكون زي الراوي العليم في رواية شخوصها كلها مركبة التكوين، مليئة بالصراعات الإنسانية والنفسية، وأنت بعين الحكمة بتتعاطف مع المخطئين وتحكي اللي داير في عقل كل واحد، وتتنبأ باللحظة اللي هيحصل فيها أول مشهد تتعامل فيه الشخصية من موقع التعافي لا من منطلق الطامة النفسية كما وصفتها بثينة العيسى. فكرة مرورك بكل قمة وقاع في تذبذب خط رحلتك على محور الزمن، خوضك لمرحلة الانغماس في التمارين النفسية والقراءة ومتابعة كل من تجد عنده بعض ضالتك، ومراحل تخففك من كل الوعي ده عشان تقدر تفلتر كمية المدخلات دي وتلاقي طريقتك الخاصة للتعامل، وبعدين الرجوع مرة تانية للمتابعة والاستماع لأي حديث يفيد رحلتك بس المرة دي بدون انغماس لكن بانتباه للي ينفعك واللي مينفعكش. بعدين تسقط مجدداً في جب سواد العقل، وسيطرة صوت الاكتئاب عليك لكنك بجلسة واحدة مع صديق متفهم أو طبيبك المعالج بتفرغ كل ده وتنتبه إن...

الحب كاشف.. أو ماذا يحدث حين تحب جسدك؟

صورة
إذا أخبرني أحدهم منذ سنوات أن حبي لنفسي وجسدي سيفتح باب الفهم حيال كل ما يلاقيه من تعب وآلام، ويجعله يكشف عن حقيقة ما يجري معه بوضوح، لضحكت ساخرة من قوله هذا. لكن هذا ما حدث، على الأقل بالنسبة لي. حين كنا .. في الكتاتيب صغارا حقنونا .. بسخيف القول ليلا ونهارا : درسونا “ركب المرأة عورة” “ضحكة المرأة عورة” “صوتها – من خلف ثقب الباب – عورة” تكبر الفتيات في عالمنا العربي بالخوف لا الحب، الخوف من الوالدين، من الرجال والغرباء والمجتمع الممتلئ بالرجال الغرباء.  نكبر ويصب الكل في مسامعنا كيف يجب أن نتحدث، كيف نتكلم باستحياء، كيف نكون خجولات ورقيقات ونتعامل بمبادئ الإتكيت، لكن لا تظهر أنوثتنا وتبدو وجوهنا في حالة من الجمود بلا ملامح سعادة ولا حزن، أن نتعامل بحزم ونضع الحدود، نتجمل بلا إظهار، و نظهر بلا تجميل. الكثير من الشيء وضده في آن واحد، وعليك كفتاة في العاشرة إيجاد طريقة لتضمي كل هذه المتضادات في كيان واحد متسق، يرضي كل أفراد أسرتك ومحيطك ليرفعوا أصابع الاتهام عنك، عن كونك فتاة، عار يجب ستره حتى تتلقفه يد الزوج في المستقبل ليصبح مشكلته. ومع عالم الدعاية والإعلام، يزداد الطي...

سحر

أنا امرأة تُحيل أكثر الأشياء رتابة لقطع من جمال، بداية من مناديل المقاهي التي تصبح ورودًا إلى التعابير المجازية، كتلك المرة التي وصفت فيها الشامة الكبيرة في الوجه بأنها "حبة توت برية هاربة".  أملك قدرة آسرة على الانغماس في الحديث والتفاعل معه والظهور بدور الراوي الحكيم في قصص لم أكتبها، تعلمت من الأدب والفن كل ما يلزمني لأحول صفحة باهتة للوحة فنية أو نص نثري، بكل صدق وتلقائية. حين تخبرني كم تحب إيطاليا وكم تتمنى زيارتها مرة أخرى، سأسرد لك كيف يكون المشي في دهاليز شوارعها ليلًا، سأحدثك عن طباع أهلها وكيف يشبهون أهل بلادي، سأصف لك رائحة العجين والمطر في مقهى صغير يقع في قلب ابيزا، وسأقترح عليك مطعمًا في نابولي لتجربه في إن واتتك الفرصة يومًا، سأفعل هذا بسلاسة، أنا التي لم تطأ قدمي غير بضع مدن داخل موطني. وإذا تحمستَ لفيلم جديد منتظر، سنتناقش حول المخرج وأعماله وتوقعاتي للحبكة، بناء على الإعلان التشويقي وتصريحات الممثلين، سيتشعب الحديث ويطول عن الإخراج والرؤية، وفلسفة ذاك السناريست وخلافه مع شركة إنتاج شهيرة، بحماسة الطفل البطل في "سينما براديسيو" -ها أنا ذا استعمل تشب...

موت ‏وقرارات

صورة
     Christian schloe  كلما فاجأني الموت، وعصر خوفي من الفقد قلبي، أقول: لابد أن أعيش حياتي بامتلاء أكثر، وروح فرحة، وقلب يعلم قيمة الساعة التي تمضي إلى غير رجعة. أعاهد نفسي أن أحب حياتي وأتقبل عثراتها، أن أقابل كل الأصدقاء الذين لم اجتمع بيهم منذ زمن، أن لا أعاني من الوحدة ثانية أبداً. لكن الإنسان ضعيف نسايّ، يأتي الغد وبعد الغد وتضيع الساعات ويتفرق الأصدقاء وتتعاظم الوحدة في جوفي ولا أحرك ساكنًا. لا تحدث الأشياء بهذه السهولة، يومٌ أصحو فيه دون ضيق من كوابيسي وأجد حليبًا يكفي لكوب قهوتي بالحليب يصبح انتصارًا، كل لقاء مع الأصدقاء بعد ترتيبات كثيرة فاشلة يصبح وقتًا كافيًا لإخماد الأشباح في رأسي دون نفضها بعيدًا، وكل فعل على قائمة الأمنيات يثقله نقص الرغبة والمال والأوبئة العالمية والاحتباس الحراري وغيابك. لست مكتئبة، منذ سنوات ودعت صوت الاكتئاب في عقلي واستأصلت جذوره من روحي ومضيت في مشوار تعافيّ، وأنا أعلم أنه طريق طويل لا يهم فيه الوصول بل الخطوات، كل خطوة فيه تبعدني عن الموت وأنا مازلت على قيد الحياة، كل خطوة تذكرني: "ما زلت حيًا في مكان ما.. وأَعرفُ أن...

عين ‏زجاجية

صورة
حبي الأول؟ كان يملك عينًا زجاجية -حقيقة لا مجازًا-، عين تنفتح على اللاشيء أثر حادث قديم أودى بنورها.  لذا ربما لم يستطع أن يحبني جيدًا، كان يراني بنصف زوج من العيون، نصف قلب، ونصف حضور، ومع هذا لم أشعر بنصف حب، فقد شعرت دائمًا بنقص ما في نفسي، فشعرت كأن لاشيء مفقود.. كأنني استحق النقص في حبي الأول -ووهمي الكبير- وعلي الامتنان له. لم أشر يومًا لكرة الزجاج المستقرة في وجهه، لم أسأله يومًا عن السبب أو إذا ما تزال تؤلمه، واكتفيت ببعض البحث لأفهم ما جرى.  الحب ساذج طائش، كنت أطير سعادة من أقل بادرة لطف، سؤال عن الحال، ونداء "أميرتي الحلوة" الذي خصني به -أو هكذا ظننت-. تشاركنا الأحلام، واللوحات الجميلة، والموسيقى السرية الأحب، والكثير من البريد المغلف بالأخضر المزهر كأنما نسير في حديقة ربيعية، لكننا لم نصرح أبدًا بالحب، لا وضوح ينجيني من لجة الاحتمالات. صمت قصير، ثم انعطافة طريق سلكها وحده دوني، دون حبي، وتفرقت السبل. ارتديت نظاراتي الشمسية لشهور بعدها أواري فجيعتي ودموعي التي لا تلبث أن تهدأ حتى تتفجر ثانية، أما هو فربما لم يبكني في غمار نشوته بتلك الانعطافة من حياته، حتى وإن بكى ...

‎في صالون العقاد كان لنا إفطار

صورة
يصل نجيب محفوظ في بدلة كحلية مخططة إلى بيت مضيفه محمود عباس العقاد القاطن بمصر الجديدة، في تمام الرابعة والنصف عصر أول أيام رمضان، يتلقاه العقاد بابتسامة واهنة ولكنها صادقة كتجاعيد وجهه التي نحتتها الحكمة والزمن، "جئت في موعدك بالثانية.. هذا يصدق ما يقال في التزامك ودقة مواعيدك." "شكرًا" يرد محفوظ: "أعلم أن حياة واحدة لا تكفيك لذا حرصت على أن لا أضيع عليك شيئًا منها." يقترح صاحب البيت الجلوس في شرفة المنزل، فالجو ربيعي ونسيم الهواء لطيف، فيستمتعان بالمنظر ويزجيان الوقت ريثما يصل أحمد بهجت. يستهل العقاد أطراف الحديث مع ضيفه الأديب سائلًا: "ماذا تكتب هذه الأيام؟" يجيبه: "لا أكتب عادة في رمضان، انغمس في روحانياته وأفضل فيه القراءة في السير الدينية والشعر والفلسفة وغيرهما. قراءة الشعر الصوفي في حالة الصيام تجربة فريدة". "أما أنا فقد ارتبط شهر رمضان الكريم بالكتابة والتأليف أيما ارتباط، بل وبصدور كتبي الجديدة أيضًا." يقول العقاد.. "وأعمل حاليًا على كتاب حول الدين والعقيدة." سيحكي العقاد كيف اعتاد الرسول -صلى ا...

وجه ‏كورونا ‏الآخر

صورة
"لا يُدرك النعيم بالنعيم." كان هذا تعقيب مديري -في أول عمل لي بعد التخرج- على ردي عندما سألني كيف وجدت إجازتي، وأخبرته بطمع: تمنيت لو كانت أطول من ثلاثة أيام.  شرح مقصده آنذاك بأنها لو طالت لتمنيت انتهاءها كذلك، وكيف لابد للحياة من فصول متعاقبة مختلفة، ولبحرها من مد لنبصر الجذر، وكذا كل متعة تكتسب معناها بعد الشقاء. فيروس كوفيد ١٩ المستجد، أو كما يطلق عليه العامة "كورونا"، هو إحدى البلاءات التي تتنزل علينا لتخبرنا بما لا ندركه في السراء، وتعلمنا من كل ضراء. وها نحن على أعتاب موجة ثانية –بدأت تظهر علاماتها أبكر من المتوقع- لهذا الفيروس الذي رغم تطور العلم، إلا أننا في حاجة لبعض الوقت لفهمه والتعامل معه. تكلمت الكثير من الجهات، الصحف واللقاءات المرئية عبر شبكات التواصل الاجتماعي عن الآثار السلبية لكورونا، سواء من ناحية الصحة الجسدية، النفسية، تأثيرها على الاقتصاد وحتى علم الاجتماع. انفجرت أخبار كل القضايا المسكوت عنها، والتي تصاعدت مع فترات الجلوس الطويلة في المنزل، والعمل عن بعد وساعات الحجر الإلزامية. العنف ضد المرأة والطفل مع زيادة معدل البلاغات عنها، ف...